في المسرح الحديث للعلاقات الدولية، لم يعد “خط المواجهة” محصورًا خلف الأبواب المغلقة للدبلوماسية الرسمية، بل انتقل إلى الساحة العالمية للروايات وصناعة التصورات العامة. وقد برزت مراكز الفكر بوصفها فاعلًا محوريًا في هذا المشهد، تؤدي دورًا استراتيجيًا مزدوجًا يتمثل في: صناعة السرديات، حيث تُشيِّد صورًا موثوقة ومدعومة بالبيانات للسياسات الوطنية أمام العالم، واستخبارات السرديات، حيث تفكّك الاتجاهات والمواقف العالمية لتقديم رؤى استراتيجية حيوية. ومن خلال إتقان هذين البعدين، لم تعد مراكز الفكر تكتفي بتحليل السياسات، بل باتت ترسم المجال المعرفي الذي يُبنى عليه النفوذ في العصر الحديث.
تقف (الموئل المعرفي للمحللين والمستشارين) بوصفها “بيت مراكز الفكر الإيرانية”. وهي منظومة ديناميكية يلتقي فيها المفكرون وصناع السياسات لمعالجة أكثر التحديات إلحاحًا في إيران والعالم عبر حوار فكري رصين ومنهجي. ونؤمن بأن الدبلوماسية الذكية هي ثمرة ردم الفجوة بين الأفكار المبتكرة والواقع المجتمعي.
في هذا العدد من نشرتنا، نستعرض أبرز الجلسات والنتائج البحثية خلال الشهر الماضي، مصنّفة ضمن ثلاثة أعمدة استراتيجية:
الحوكمة الرقمية والسيادة التكنولوجية
في القرن الحادي والعشرين، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة، بل أصبحت العمود الفقري للأمن القومي. ولكي تعزز إيران موقعها، ينبغي أن تعتمد مقاربة جديدة للفضاء الرقمي، ذات طابع أمني واستباقي، تحقق التوازن بين النماذج العالمية وسيادة البيانات. في هذا القسم، نقدم تحليلًا رقميًا للنموذج البكيني بوصفه قراءة إرشادية لتجربة الصين في إدارة الفضاء السيبراني وصون سلامة البيانات. ويتبع ذلك استعراض اتجاهات المحتوى الرقمي، الذي يدرس العلاقة التبادلية بين الاقتصاد والتكنولوجيا في السوق الرقمية الإيرانية. كما نتناول تقاطع الذكاء الاصطناعي والديمقراطية الدينية، مستكشفين تحديات الحوكمة الخاصة، والأسس الأخلاقية، والتوصيات السياساتية اللازمة لهذه التقنيات الناشئة.
الاقتصاد السياسي والبنية التحتية المالية
في ظل حقبة تتسم باستمرار الضغوط المالية والعقوبات كواقع خارجي دائم، يصبح إعادة تعريف الاختناقات الاقتصادية من منظورَي “الإنتاج” و”العدالة” ضرورة لا مفر منها. يتناول هذا العدد اقتصاد مناهضة الإنتاج ومناهضة العدالة من منظور الاقتصاد السياسي، مع التركيز على الأسس المؤسسية للنقود والائتمان في إيران. كما نقدم تحليلًا استراتيجيًا حول الانضمام إلى نظام CIPS الصيني، مسلطين الضوء على التحول الحيوي نحو بنى تحتية مالية مستقرة وذات سيادة لإدارة عائدات النفط وتجاوز القيود المصرفية التقليدية. واستكمالًا لهذه القراءة الاقتصادية، نقدم دراسة معمقة حول التضخم في إيران (1959–2025)، نتتبع فيها الجذور الهيكلية للنمو النقدي، ونرسم خارطة طريق لتحقيق الاستقرار الكلي طويل الأمد.
الجغرافيا السياسية وإدارة الأزمات
تُظهر التحولات المتسارعة في جنوب وغرب آسيا أن ميزان القوى الإقليمي في حالة تغير دائم. وللحفاظ على النفوذ الإقليمي، يتعين على إيران إتقان فن إدارة السرديات واستشراف المستقبل الاستراتيجي. ومن أبرز محاور هذا القسم دراسة الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وباكستان، التي تكشف أوجه التعاون غير المعلن بين إسلام آباد وواشنطن وانعكاساته الجيوسياسية الخاصة على أمن إيران. كما نقدم بحثًا حول إدارة الإعلام في الأزمات والحروب، يتضمن حلولًا عملية لحرب الإدراك والعمليات النفسية، مع التأكيد على أهمية صون التماسك الوطني عبر الاتصال الاستراتيجي.
نأمل أن يتيح هذا العدد نافذة واضحة على الجهود الفكرية المتقدمة التي تشكل استجابة إيران للتحديات العالمية والداخلية.
ابقوا على تواصل مع أبحاثنا متعددة التخصصات وأحدث حواراتنا عبر مواقعنا متعددة اللغات:
الموقع الإنجليزي:en.khanahouse.ir
الموقع العربي: ar.khanahouse.ir
في مسرح العلاقات الدولية المعاصرة المعقد، لم تعد «الخطوط الأمامية» تقتصر على ما يجري خلف الأبواب المغلقة في قاعات الدبلوماسية، بل انتقلت إلى ميدان التصورات والأفكار والروايات. هذه كانت الرسالة الأساسية للقاء تاريخي عقد في 26 يناير/كانون الثاني 2026.
الأحداث من فك شيفرة الروايات إلى تشكيل المسرح العالمي: عصر جديد لمراكز الأبحاث الإيرانية
في مسرح العلاقات الدولية المعاصرة المعقد، لم تعد «الخطوط الأمامية» تقتصر على ما يجري خلف الأبواب المغلقة في قاعات الدبلوماسية، بل انتقلت إلى ميدان التصورات والأفكار والروايات. هذه كانت الرسالة الأساسية للقاء تاريخي عقد في 26 يناير/كانون الثاني 2026.
خلال هذه الجلسة المفصلية، اجتمع ممثلو أبرز مراكز الأبحاث الدولية الإيرانية مع الدكتور إسماعيل بقائي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، في الدورة الخامسة لقمة «إيران-العالم». كان الجو يغلب عليه الإحساس بالإلحاح الاستراتيجي، وتمحور حول إدراك واحد قوي: لقد تطور دور مراكز الأبحاث في الدبلوماسية العامة رسميًا من دور مساند إلى دور رئيسي وقيادي.
الذكاء وراء الرواية تناول النقاش كيف تُربح أو تُخسر الدبلوماسية في القرن الحادي والعشرين من خلال «الرواية». استكشف المشاركون استراتيجية مزدوجة متطورة تقودها مراكز الأبحاث الآن:
ذكاء الرواية (فك الشيفرة): لم يعد يكفي أن نتحدث فقط؛ بل يجب أن نستمع بدقة. أبرزت الجلسة كيف تعمل مراكز الأبحاث بمثابة «عيون وآذان» الدولة، ترصد كيف يرى العالم إيران وتفسر التحولات الدقيقة في الرأي العام العالمي.
صناعة الرواية (التشكيل): انتقل التركيز من مجرد الرد على الأحداث إلى المبادرة في سرد القصص. من خلال ترجمة السياسات الداخلية المعقدة إلى لغة عالمية راقية ونخبوية، أصبحت مراكز الأبحاث الآن المهندسين الرئيسيين لصورة وطنية متماسكة وذات مصداقية.
بناء الجسر الفكري أكدت رواية الاجتماع أمرًا واحدًا بوضوح: مراكز الأبحاث هي الجسر الحيوي بين الاستراتيجية الكبرى للحكومة ومجتمع المفكرين العالمي. من خلال التفاعل مع الدوائر الفكرية الدولية، تحولون الدبلوماسية من مونولوج جامد بين الدول إلى حوار ديناميكي ذكي ومبادر مع العالم.
يمثل هذا التحول نقطة تحول حقيقية — الانتقال من «السيطرة على الأضرار» إلى «الحضور الاستراتيجي» الذي تُروى فيه قصة إيران بوضوح وعمق وسلطة فكرية.
التشريح الرقمي لنموذج بكين
إدارة المنصات المحلية لحماية الأمن وسلامة البيانات تعد أولوية أساسية. وفي هذا الصدد، تقدم تجربة الصين في توجيه الفضاء الإلكتروني نموذجًا تعليميًا قيمًا. في اجتماع بعنوان «التشريح الرقمي لنموذج بكين» الذي عقد في خانة ، تم فحص معالم إطار الحوكمة الرقمية الصينية. جمع الجلسة مفكرين ومسؤولين من بينهم ميثم غلامي، مهيار نادري، محمد حمزةئي، سعيد سيد آغا بني هاشمي، الدكتور حسين قهاري، ومحمد مهدي خدابخش.
دارت النقاشات حول تحول الصين نحو إشراف حزبي مركزي على الفضاء الإلكتروني، والسلطة التنظيمية لإدارة الفضاء الإلكتروني ، والثالوث التشريعي المتمثل في قوانين الأمن السيبراني، وأمن البيانات، وحماية المعلومات الشخصية. أبرز المتحدثون الاستراتيجية المزدوجة الصينية التي تجمع بين توجيه التطور التكنولوجي وفرض السيطرة الصارمة، بالإضافة إلى مقارنات بين حوكمة الذكاء الاصطناعي الصينية المبنية على الأمن وبين النهج الأوروبي القائم على الحقوق. كما تم استكشاف توسع نظام المدفوعات عبر الحدود الصيني (CIPS) ونموذج الحوكمة المالية الصيني.
بشكل عام، يعكس نموذج بكين مسارًا منظمًا ومركزًا على الأمن نحو السيادة الرقمية. أكد المشاركون على ضرورة إجراء بحوث أعمق لتكييف العناصر المختارة مع السياق السياسي الإيراني.


اتجاهات المحتوى الرقمي في إيران
عُقدت الجلسة الثانية من السلسلة المتخصصة «اتجاهات المحتوى الرقمي في إيران» في خانة ، بتنظيم من اندیشکده حنان. استكشف الاجتماع العلاقة المتبادلة بين الاقتصاد والتكنولوجيا في مجال المحتوى الرقمي.
أشار أحمد عطارزاده، نائب رئيس مجموعة بيغاه داتا كاوانز شريف، إلى غياب التوافق في تعريف المحتوى الرقمي، معتبرًا أن الغموض المفاهيمي قد عرقل التنظيم الفعال. وأكد الدكتور قاسم صفائي نژاد من جامعة طهران أن المنصات اليوم، بدلاً من التركيز الأساسي على جذب انتباه المستخدمين والاحتفاظ به، تركز بشكل متزايد على جمع البيانات ومعالجتها وتحقيق الربح منها، مما يجعل حوكمة البيانات أولوية استراتيجية أكبر بكثير مما كانت عليه سابقًا.
أبرز مسعود حسنلو الغموض المؤسسي في تحديد الجهة المسؤولة عن الحوكمة، بينما شدد علي محمدبور على ضرورة نماذج اقتصادية مستدامة تربط بين المستهلكين والمنتجين، محذرًا من توسع الأسواق السرية. وخلصت الجلسة إلى أن حوكمة المحتوى الفعالة تتطلب تفويضات مؤسسية واضحة، وإشرافًا تكيفيًا، وتبنيًا استراتيجيًا لصنع السياسات المبنية على البيانات.


رحلة في اقتصاد ضد الإنتاج وضد العدالة
عُقدت الجلسة السادسة من سلسلة «رحلة في اقتصاد ضد الإنتاج وضد العدالة» في خانة ، بمشاركة الدكتور إحسان خاندوزی. تمحور النقاش حول النقود كأساس مؤسسي للرأسمالية الحديثة وعامل حاسم في تشكيل العلاقة بين الإنتاج والعدالة.
بينما يقدم الاقتصاد السائد النقود على أنها مجرد وسيلة للتبادل تقلل من تكاليف المعاملات، اعتمدت الجلسة منظور الاقتصاد السياسي. ظهرت النقود الحديثة، التي نشأت إلى جانب البنوك المركزية في القرن السابع عشر، بقوة غير مسبوقة في خلق الائتمان. أتاح هذا القدرة على تراكم رأس المال بسرعة وتنفيذ مشاريع صناعية واسعة النطاق، لكنه في الوقت ذاته أنتج هشاشات هيكلية وأزمات متكررة.
جادل المشاركون بأن أحد الفخاخ السياسية الرئيسية يكمن في افتراض حيادية النقود. تظهر الأدلة التاريخية أن خلق الائتمان الموجّه كان حاسمًا لتطوير البنية التحتية والصناعة. وفي حالة إيران، تؤدي التشوهات المؤسسية إلى توجيه الائتمان نحو الأنشطة المضاربية بدلاً من الإنتاج. لذا، يتطلب تحقيق العدالة تخصيص ائتمان شفاف وقائم على قواعد، يربط الوصول إلى التمويل بالإنتاجية والتوازن الإقليمي.

ضرورة ربط إيران بنظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود الصيني CIPS
كيف تعيق الخرائط المعرفية الخاطئة استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران
عُقدت الجلسة السادسة من سلسلة «رحلة في اقتصاد ضد الإنتاج وضد العدالة» في خانة، بمشاركة الدكتور إحسان خاندوزي. تمحور النقاش حول النقود كأساس مؤسسي للرأسمالية الحديثة وعامل حاسم في تشكيل العلاقة بين الإنتاج والعدالة.
بينما يقدم الاقتصاد السائد النقود على أنها مجرد وسيلة للتبادل تقلل من تكاليف المعاملات، اعتمدت الجلسة منظور الاقتصاد السياسي. ظهرت النقود الحديثة، التي نشأت إلى جانب البنوك المركزية في القرن السابع عشر، بقوة غير مسبوقة في خلق الائتمان. أتاح هذا القدرة على تراكم رأس المال بسرعة وتنفيذ مشاريع صناعية واسعة النطاق، لكنه في الوقت ذاته أنتج هشاشات هيكلية وأزمات متكررة.
جادل المشاركون بأن أحد الفخاخ السياسية الرئيسية يكمن في افتراض حيادية النقود. تُظهر الأدلة التاريخية أن خلق الائتمان الموجّه كان حاسمًا لتطوير البنية التحتية والصناعة. وفي حالة إيران، تؤدي التشوهات المؤسسية إلى توجيه الائتمان نحو الأنشطة المضاربية بدلاً من الإنتاج. لذا، يتطلب تحقيق العدالة تخصيص ائتمان شفاف وقائم على قواعد، يربط الوصول إلى التمويل بالإنتاجية والتوازن الإقليمي.

ضرورة ربط إيران بنظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود الصيني (CIPS)
كيف تعيق الخرائط المعرفية الخاطئة استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران
بقلم: محمد رضا محمدي، باحث في الشؤون الدولية
في رقعة الشطرنج المعقدة لجيوسياسية الشرق الأوسط، غالبًا ما تشكّل التصورات السياسة أكثر مما يفعل الواقع نفسه. وعندما يعتمد صانعو القرار على صور ذهنية مشوَّهة بدلاً من الحقائق على الأرض، يمكن أن تُحاصر الاستراتيجية في الوهم بدلاً من أن تُوجَّه بالبصيرة.
في مقال بعنوان “كيف تُشلّ الخرائط المعرفية الخاطئة الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران”، يُجادل محمد رضا محمدي، الباحث في الشؤون الدولية، بأنّ المفاهيم الخاطئة الراسخة لدى صانعي السياسة الأمريكيين حول إيران قد أعاقت بشدة قدرة واشنطن على صياغة استراتيجية فعّالة. ويؤكد محمدي أن صانعي القرار الأمريكيين يعتمدون على نماذج ذهنية عفا عليها الزمن تُصوّر إيران على أنها ضعيفة، وغير مستقرة داخليًا، ومُعرّضة للانهيار، على الرغم من الأحداث الأخيرة، مثل أداء إيران الصامد خلال الصراع الذي دام 12 يومًا، والذي يُشكّك في هذه الافتراضات. ويقول إنّ هذه “الخرائط المعرفية الخاطئة” تدفع المسؤولين الأمريكيين إلى تجاهل الأدلة المُتناقضة، وإساءة فهم التماسك الداخلي الإيراني، والمبالغة في تقدير الروايات الخارجية، لا سيما تلك التي تُروّج لها إسرائيل، والتي تُصوّر إيران على أنها تهديد وجودي. ونتيجةً لذلك، تتأرجح الولايات المتحدة بين الضغط والتفاوض دون استراتيجية واضحة. ويخلص محمدي إلى أنه فقط من خلال تصحيح هذه التشوهات المعرفية وتأسيس السياسة على حقائق موضوعية، يُمكن للولايات المتحدة تطوير علاقة مُستدامة وقابلة للتنبؤ مع طهران.
اقرأ المزيد على موقع صحيفة طهران تايمز.




